الشيخ محمد النهاوندي
306
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ ذكر اللّه تعالى في عداد قبائح أعمال اليهود إساءتهم الأدب بساحة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حيث كانوا يخاطبونه بقولهم : راعنا . قيل : كانت هذه اللفظة في اصطلاحهم بمعنى اسمع غير مسمع « 1 » . وقيل : كانت مستعملة عندهم في الهزء والسّخرية « 2 » . روي أنّ سعد بن عبادة سمعها منهم ، فقال : يا أعداء اللّه عليكم لعنة اللّه ، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأضربنّ عنقه . قالوا : أو لستم تقولونها ؟ فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا - للنبي صلى الله عليه وآله - راعِنا « 3 » . قيل : إنّ المؤمنين كانوا إذا سمعوا من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله شيئا من العلم ، قالوا : راعنا يا رسول اللّه ، أي أنظرنا وتأنّ بنا حتّى نفهم ، فلّما سمع اليهود ذلك من المؤمنين اتّخذوه ذريعة لسبّ النبي صلّى اللّه عليه وآله فنهى اللّه المؤمنين عن هذه الكلمة تعريضا على اليهود « 4 » ، بقوله : وَقُولُوا انْظُرْنا أي انظر إلينا . ثمّ وعظهم بقوله : وَاسْمَعُوا لما يحكم به اللّه ويأمركم به الرّسول صلّى اللّه عليه وآله سماع طاعة وقبول ، ولا تكونوا كاليهود حيث قالوا : سَمِعْنا وَعَصَيْنا « 5 » . ثمّ هدّدهم بقوله : وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يسلكون معه مسلك الإعظام والتجليل ، بل أهانوه بتعريضه للسّبّ والاستهزاء كاليهود عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة . روي عن ابن عبّاس : أنّ اللّه كان يخاطب في التّوراة بقوله : يا أيّها المساكين « 6 » . قيل : كرامة هذه الأمّة اقتضت مخاطبتهم بأشرف الأوصاف وهو الإيمان ، ولمّا خاطب بني إسرائيل أوّلا بقوله : يا أيّها المساكين ؛ أثبت عليهم آخرا المسكنة بقوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ « 7 » ولمّا خاطب امّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله أوّلا بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يرجى أن يختم لهم بالإيمان والأمان من العذاب والهوان « 8 » . ثمّ نبّه اللّه الرّسول والمؤمنين بغاية حسد أهل الكتاب والمشركين عليهم ، وشدّة عداوتهم لهم بقوله : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من اليهود والنّصارى وَلَا الْمُشْرِكِينَ وما يحبّون ،
--> ( 1 ) . تفسير الطبري 1 : 374 . ( 2 ) . تفسير الرازي 3 : 224 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 1 : 141 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 197 . ( 5 ) . البقرة : 2 / 93 . ( 6 ) . تفسير الرازي 3 : 223 . ( 7 ) . البقرة : 2 / 61 . ( 8 ) . تفسير الرازي 3 : 223 « نحوه » .